فصل: مسألة المسافر يقيم في المنهل يوما أو ما أشبه ذلك:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الشهيد إذا عراه العدو أيكفن:

وسئل: عن الشهيد إذا عراه العدو، أيكفن؟
فقال: نعم، أرى ذلك حسنا؛ قيل: فإن استشهد وعليه ثيابه- وفيها ما يجزئه- فأراد أولياؤه أن يزيدوه كفنا على ثيابه، فقال: ما أرى به بأسا يفعلون- إن شاءوا.
قال محمد بن رشد: قوله في تكفين من عراه العدو من الشهداء أن ذلك حسن، لفظ فيه تجاوز وتسامح، بل ذلك لازم لا رخصة في تركه. ومما يدل على ذلك: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفن الشهداء يوم أحد اثنين في ثوب، فلو كان ترك تكفينهم واسعا، لما جمع منهم اثنين في ثوب، ولكفن من وجد ما يكفنه فيه وترك من لم يجد- والله أعلم؛ وأما الزيادة على ثيابه- إذا كان فيها ما يجزئه، فلا بأس به كما قال، إذ إنما الكراهية في أن ينزع عنهم ثيابهم، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زملوهم بثيابهم».

.مسألة العلة في ترك الصلاة على الشهيد:

قيل: من أي وجه تركت الصلاة على الشهيد؟ فقال: هي السنة، من فعل رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال محمد بن رشد: وإن كانت هي السنة، فلا يمتنع أن تعلل السنن إذا وجد لها علة، والعلة في ترك الصلاة على الشهيد، أن الصلاة على الميت شفاعة له، ولا يشفع إلا للمذنبين؛ والشهداء قد غفرت ذنوبهم، وصاروا إلى كرامة الله ورحمته وجنته أجمعين، فارتفعت حالهم عن أن يصلى عليهم، كما يصلى على سائر موتى المسلمين- والحمد لله رب العالمين؛ ولهذا لم يصل على النبي،- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وإنما كان الناس يدخلون عليه أفواجا فيدعون وينصرفون. وقد روي عن ابن وهب: أنه قال: كيف يصلى على حي؟ وهذا اعتلال فيه نظر، إذ لا شك في أنهم قد ماتوا وخرجوا من الدنيا، وصاروا في عداد الموتى ووجب أن تنكح نساؤهم، وتقسم أموالهم، فليس كون أرواحهم حية عند الله، بمانع من الصلاة عليهم، كما لا يمنع ذلك من الصلاة على سائر المؤمنين، وإن كانت لحياتهم مزية بأنهم عند ربهم يرزقون، ويأكلون في الجنة وينعمون، وعند النفخ في الصور لا يفزعون، ولا يخمدون، ولا يصعقون. وأبو حنيفة يرى أن يصلى على الشهيد، ومن حجته ما روي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى يوم أحد على حمزة، وقد سئل مالك عن ذلك، فقال: ما سمعت، وأما غسله فلا اختلاف أحفظه في أنه لا يغسل.

.مسألة الرجل يأتي إلى الرجل في كفن يبتاعه:

وسئل أصبغ: عن الرجل يأتي إلى الرجل في كفن يبتاعه منه، فيقول له: إن الرجل لم يمت بعد، فأخذه منه بثمن قد سماه، واشترط المبتاع على البائع- إن مات، وإلا رددته؛ قال: لا يجوز، قيل له: فإن فات، قال: فلصاحب الكفن القيمة؛ قيل: فإن كانت القيمة أقل، قال: لم يكن له إلا القيمة؛ قيل له: فإن كانت أكثر، قال: فله الأكثر، إلا أن يشاء أن يمضيه له بذلك الذي واجبه عليه، قيل: فإن الثياب أخذت لنصراني، أترى إن ردت الثياب أن يطهرها؟ قال: أراه خفيفا، وما أرى أن تغسل إلا أن تلبس.
قال محمد بن رشد: قوله إن البيع على هذا الشرط لا يجوز صحيح، وقوله فإن فات فلصاحب الكفن القيمة- بالغة ما بلغت، كانت أقل من الثمن أو أكثر، معناه: إن فات بأن كفن فيه الميت ومضى، وأما إن فات قبل موته، فمصيبته من ربه، إلا أن يتلف بيد المبتاع، ولا يعلم تلفه إلا بقوله، فيلزمه فيه القيمة؛ لأنه إنما هو كرجل اشترى سلعة من رجل بثمن معلوم، إن مات فلان من مرضه، فهو عقد فاسد، يجب أن يفسخ، وترد السلعة إلى بائعها؛ فإن تلفت قبل موت فلان، فمصيبتها من البائع- وإن كانت بيد المبتاع، إلا ألا يعلم تلفها إلا بقوله، فتلزمه فيها القيمة، وإن تلفت أو فاتت بعد موت فلان، بما تفوت به البيوع الفاسدة، صحح البيع فيها بالقيمة، بالغة ما بلغت؛ فهذا وجه القول في هذه المسألة، وليست من بيوع الثنيا، فيكون للمبتاع فيها أن يسقط الشرط، ويلتزم البيع، كما يكون له ذلك في بيوع الثنيا، لما للبائع في هذا الشرط من الحق، إذ لم ينعقد به البيع إلا بموت فلان. وقوله إن الثياب إن كانت أخذت للنصراني وردت، فلا تغسل إلا أن تلبس، صحيح على ما في المدونة من الفرق بين ما نسج النصارى، أو لبسوا- وبالله التوفيق.

.مسألة أدرك الإمام على الجنازة وهو ممن يكبر خمسا ففاتته تكبيرتان:

قال أصبغ، في رجل أدرك الإمام على الجنازة وهو ممن يكبر خمسا، ففاتته تكبيرتان، قال أصبغ: يكبر معه الثلاثة ويحتسب بالخامسة؛ فإذا سلم الإمام، كبر واحدة، فصارت له أربعا، ولا يكبر الخامسة؟ قال سحنون: وقال أشهب: لا آمر أن يكبر هذا الذي فاته بعض التكبير مع الإمام الخامسة، فإن كبرها معه لم تجزه، ورأيت إذا سلم الإمام أن يقضي ما فاته من التكبير.
قال محمد بن رشد: قول أشهب هو القياس على مذهب مالك؛ لأن التكبيرة الخامسة إذا كانت عنده زائدة في الصلاة، لا يراعى قوله فيها إنه لا يتبع الإمام فيها إذا لم يفته من التكبير معه شيء، كما قال في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم؛ فلا يصح أن يكبرها معه، ويعتد بها مما فاته؛ لأن أرفع أحوالها أن يحكم لها بحكم النافلة؛ ومن مذهبه أنه لا يجوز لمن يصلي فريضة أن يأتم بمن يصلي نافلة، فكيف بمن يصلي ما يكره له أن يصليه؟ وفي الواضحة لمالك من رواية ابن الماجشون عنه مثل قول أشهب- وهو قول مطرف؛ وأما قول أصبغ فهو استحسان على غير قياس، مراعاة لقول من يرى أن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة الإمام في الفرائض، فاستخف ذلك في صلاة الجنائز؛ إذ ليست بفرض عليه، وإنما هي له نافلة، إذ قد صحت الصلاة على الميت بصلاة الإمام ومن معه سواء، وبالله تعالى التوفيق، والصلاة على محمد وآله.
تم كتاب الجنائز بحمد الله وحسن عونه الجميل.

.كتاب الصيام والاعتكاف:

.مسألة المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها فيطلقها زوجها قبل أن ترجع إلى المسجد:

من سماع عبد الرحمن بن القاسم من مالك من كتاب أوله سلعة سماها قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول في المعتكفة تحيض فتخرج إلى منزلها، فيطلقها زوجها قبل أن ترجع إلى المسجد، أين تعتد؟ قال: إنما هو بمنزلة ما لو طلقها في المسجد، فإذا طلقها في المسجد لم ينبغ لها أن تخرج من المسجد حتى تتم اعتكافها؛ فهذه ينبغي لها أن ترجع إلى المسجد حتى تتم اعتكافها.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن المعتكفة إذا حاضت في اعتكافها فخرجت إلى منزلها، لا ينتقض اعتكافها، فتكون إذا طهرت مبتدئة لاعتكاف، بل هي باقية في حرمة الاعتكاف الذي دخلت فيه، قيل في حرمته كله، وهو قول سحنون، وقيل في حرمته من جهة لذي الرجال خاصة، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم، فإذا طهرت، رجعت إلى تمامه، فوجب أن يكون حكم طلاق زوجها إياها بعد أن دخلت في الاعتكاف في حال الطهر أو الحيض، سواء فيما يلزمها من التمادي على اعتكافها الذي قد سبق وجوب العدة عليها؛ لأن الاعتكاف إذا سبق العدة، لم تخرج منه حتى ينقضي اعتكافها، كما أن العدة إذا سبقت الاعتكاف، لم تخرج منها إلى الاعتكاف حتى تنقضي عدتها، وإن كان اعتكافا واجبا عليها في أيام بأعيانها، قد كانت نذرت اعتكافها- قاله بعض شيوخ القرويين، وهو صحيح، فقف عليه، وإذا طهرت في بعض يومها فرجعت إلى المسجد، فلا تمسك عن الأكل بقية يومها، ولا تعتد به في اعتكافها، إلا أن تطهر قبل الفجر، فتنوي صيام ذلك اليوم، وتدخل معتكفها- حينئذ، وهي رواية ابن وهب عن مالك؛ وقيل: إنها لا تعتد بذلك اليوم إلا أن تطهر قبل الغروب، وتدخل معتكفها حينئذ في الوقت الذي يبتدئ المعتكف فيه باعتكافه، وهو قول سحنون. وقد قيل: إنها إذا طهرت في بعض النهار، لا ترجع إلى المسجد بقية يومها، قياسا على قول ابن القاسم في الذي يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فيمرض فيها ثم يصح فيغشاه العيد قبل أن يتم اعتكافه، إنه يخرج إلى العيد، ولا يرجع ذلك اليوم من أجل أنه غير صائم، فتدبر ذلك.

.مسألة ينذر صيام يوم الخميس فيمر يوم الخميس وهو غير ذاكر له:

وسئل: عن الذي ينذر صيام يوم الخميس، فيمر يوم الخميس- وهو غير ذاكر له، فإذا كان يوم الجمعة، أصبح صائما- وهو يرى أنه يوم الخميس، أترى أن يجزئه من قضاء صيام يوم الخميس الذي جعله عليه؟
قال: نعم، إني أرجو أن يجزئه- إن شاء الله- من صيامه؛ وإني لأكره للرجل أن يجعل على نفسه الشيء، هكذا يصومه حتى كأنه فريضة، ولكن يصوم ولا يجعل على نفسه شيئا؛ فإن شاء صام، وإن شاء أفطر.
قال محمد بن رشد: قوله في الذي أصبح يوم الجمعة صائما يرى أنه الخميس الذي كان نذر صيامه، أنه يجزئه من قضائه صحيح؛ لأن صوم يوم الخميس واجب عليه كوجوب قضائه، فناب في النية فرض عن فرض، وذلك مثل قولهم في الأسير يخطئ في الشهور، فيصوم شوالا- وهو يرى أنه رمضان، فلا اختلاف بينهم في أنه يجزئه؛ وستأتي متكررة في رسم سلف، ورسم جاع من سماع عيسى، وكراهيته أن ينذر على نفسه صيام يوم بوقته أبدا، هو مثل ما في المدونة، وإنما كره ذلك لمشقة تكرره، وقد يسهو عنه، أو لعله يفرط فيه مع طول المدة فيأثم، والله أعلم.

.مسألة نذر صياما بمكة أو ببلد من البلدان رجا فيه الفضل:

وسئل مالك: عمن نذر صياما بمكة، أو بالمدينة، أو بعسقلان، أو بالإسكندرية، أو ببلد من البلدان، رجا فيه الفضل؟
قال: قال مالك: من نذر صياما في مثل المدينة، ومكة، وساحل من السواحل ترجى بركة الصيام فيه، فإني أرى ذلك عليه، ومن نذر في غير ذلك مثل العراق، وما أشبهه، فلا أرى أن يأتيه. قال ابن القاسم: ومعنى قوله: إنه يصوم ذلك الصيام بمكانه الذي هو فيه.
قال محمد بن رشد: فهذا مثل ما في المدونة، والأصل فيه قوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه». فمن نذر أن يصوم في موضع يتقرب إلى الله بالصيام فيه، لزمه الخروج إليه؛ ومن نذر أن يصوم في موضع لا قربة لله في الصيام فيه، صام بموضعه ولم يخرج إلى ذلك الموضع؛ إذ ليس لله في ذلك طاعة، وهذا ما لا اختلاف فيه- وبالله التوفيق.

.مسألة عن المعتكف يرقع ثوبه في المسجد ويكتب المصاحف:

ومن كتاب أوله شك في طوافه:
مسألة وسئل مالك: عن المعتكف يرقع ثوبه في المسجد، ويكتب المصاحف؛ قال: ليس هذا من شأن المعتكف، ليرقع قبل أن يدخل، ويكتب المصاحف إن أحب؛ ورأيته يرى أن وجه من يريد الاعتكاف أن يكون في مؤخر المسجد ورحابه.
قال محمد بن رشد: قوله ليرقع قبل أن يدخل، ويكتب المصاحف إن أحب؛ معناه ليرقع ويكتب المصاحف قبل أن يدخل إن أحب، وهذا على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك، الذي يرى أن الاعتكاف يختص من أعمال البر بذكر الله تعالى، وقراءة القرآن والصلاة. وأما على مذهب ابن وهب الذي يبيح للمعتكف جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، فيجيز له مدارسة العلم، وعيادة المرضى في موضع معتكفه، والصلاة على الجنائز- إذا انتهى إليه زحام الناس الذين يصلون عليها، فيجوز له أن يكتب المصاحف للثواب، لا ليتمولها، ولا على أجرة يأخذها؛ إلا ليقرأ فيها، وينتفع بها من احتاج إليها، وأما ترقيعه ثوبه فمكروه، ولا ينتقض به اعتكافه إذا كان شيئا خفيفا.

.مسألة الاعتكاف يوما أو يومين:

وسئل مالك: عن الاعتكاف يوما أو يومين، قال: ما عرفت هذا من اعتكاف الناس؛ قال ابن القاسم: قد سئل عنه قبل ذلك فلم ير به بأسا، وأنا لست أرى بأسا؛ لأن الحديث قد جاء أدنى الاعتكاف يوم وليلة.
قال محمد بن رشد: اختلف قول مالك في أدنى الاعتكاف: فمرة قال أدناه يوم وليلة، ومرة قال أدناه عشرة أيام؛ وهو اختلاف في أدنى ما يستحب للرجل أن يعتكفه، إذ لا يقول أحد إن من نذر أن يعتكف ما دون عشرة أيام، يلزمه اعتكاف عشرة أيام على القول بأن أدنى الاعتكاف عشرة أيام، فبان بذلك ما قلناه؛ ويتصور الاختلاف في وجه آخر أيضا- وهو أن من نذر اعتكافا مبهما غير محدود، ودخل فيه ولم ينو شيئا، يلزمه يوم وليلة على القول بأن أدنى الاعتكاف يوم وليلة، أو عشرة أيام على القول بأن أدنى الاعتكاف عشرة أيام.
وقال ابن حبيب: أدنى الاعتكاف في الاستحباب يوم وليلة، وأعلاه في الاستحباب عشرة أيام، فجعل أعلاه في الاستحباب عشرة أيام على القول بأن أدناه يوم وليلة. ولم يتكلم في أعلاه في الاستحباب، على القول بأن أدناه عشرة أيام؛ والذي يصح أن يقال على هذا القول في أعلاه: إنه شهر كامل، ولا يستحب لأحد أن يعتكف أكثر من شهر، بل يكره ذلك له مخافة ألا يفي بشروطه. وقد نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني».

.مسألة المعتكف يخرج ليلة الفطر من اعتكافه هل عليه إعاد:

وسئل مالك: عن المعتكف يخرج ليلة الفطر من اعتكافه، أترى عليه إعادة؟ قال: لا. قال سحنون: لا أقول ما قال، وأرى ذلك يفسد اعتكافه؛ لأن ذلك سنة مجتمع عليها ألا يخرج وأن يبيت في معتكفه حتى يصبح. وقال عبد الملك بن الماجشون بقول سحنون: إن ذلك يفسد اعتكافه، قال: وإن أصاب أهلا، أو فعل ما ينقض اعتكافه في ليلة الفطر، كان ذلك ناقضا لاعتكافه؛ لأنها من اعتكافه، له فيها ما للمعتكف، وعليه ما عليه؛ وقاسها ابن الماجشون بركعتي الطواف، وقال: هو من بابه وجدت الطواف ينقضي بالركعتين، ووجدته إن انتقض وضوؤه في الركعتين أو قبلهما، انتقض طوافه، وقد يرى أنهما ليستا من أشواطه السبعة، كما أن ليلة الفطر ليست من ليالي صومه، والاعتكاف لا يكون إلا بصومه.
قال محمد بن رشد: قد احتج ابن الماجشون لقوله، وقول مالك أظهر، ووجهه: أن ليلة الفطر ليست من العشر الأواخر، فلو أن رجلا حلف ألا يكلم فلانا في العشر الأواخر، فكلمه بعد غروب الشمس من ليلة الفطر لم يحنث؛ فكذلك من نوى اعتكاف العشر الأواخر، ودخل فيها أو نذرها، لما يلزمه المقام ليلة الفطر في اعتكافه بموجب نذره، وإنما يؤمر بذلك اتباعا لفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإن لم يفعل فقد قضى ما لزمه من الاعتكاف، وقصر في ترك السنة؛ إذ ليس في مقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الفطر في معتكفه، ما يدل على أن الليلة من العشر، ولا أن لها حكم العشر، إذ قد زاد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كثير من الشرائع زيادات، فكانت سننا فيها، ولم يكن لها حكمها في الوجوب؛ من ذلك سنن الوضوء، ورفع اليدين في الإحرام، والركعتان عند الإهلال؛ وقد اشترى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من جابر بن عبد الله جملا فقضاه الثمن وزاده زيادة، فلم يكن على من اشترى شيئا، أن يزيد البائع عند القضاء؛ وإن زاد لم يكن للزيادة حكم الثمن المزيد عليه في جميع أحواله، وفي دون هذا كفاية، ولما كانت زيادة الليلة في الاعتكاف تختص باعتكاف العشر الأواخر دون ما سواه من الاعتكاف، ضعف قياس ذلك على ركعتي الطواف، لكونهما أصلا في كل طواف، لا يختص بطواف دون طواف؛ وقد ذهب ابن لبابة إلى أن على كل معتكف أن يزيد في اعتكافه ليلة يخرج في صبيحتها من اعتكافه على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري من قوله فيه: «وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه» وهو شذوذ من القول، لا متابع له عليه من الفقهاء؛ لأن أكثر الرواة يقولون في الحديث «وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه»- وبالله التوفيق.

.مسألة النقص من قيام رمضان:

وسمعت مالكا- وذكر أن جعفر بن سليمان أرسل إليه يسأله أن ينقص من قيام رمضان، قال: فنهيته عن ذلك؛ فقيل له: أفتكره ذلك؟ قال: نعم- وقد قام الناس هذا القيام، فقيل له: فكم القيام عندكم؟ قال: تسعة وثلاثون ركعة بالوتر.
قال محمد بن رشد: لما كان قيام رمضان مرغبا فيه، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». وكان للجمع فيه أصل للسنة، وكان العمل قد استمر فيه على هذا العدد من يوم الحرة إلى زمنه، وذلك أن عمر بن الخطاب كان أمر أبي بن كعب، وتميما الداري، أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، فكانا يطيلان القيام، حتى لقد كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا في فروع الفجر؛ فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمرهما أن يزيدا في عدد الركوع، وينقصا من طول القيام؛ فكانا يقومان بالناس بثلاث وعشرين ركعة، وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثمان ركعات؛ فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة، رأى الناس أنه قد خفف، فكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، ثم شكوا ذلك لما اشتد عليهم، فنقصوا من طول القيام، وزادوا في عدد الركوع، حتى أتموا تسعا وثلاثين ركعة بالوتر، ومضى الأمر على ذلك من يوم الحرة، وأمر عمر بن عبد العزيز أن يقوموا بذلك، وأن يقرءوا في كل ركعة بعشر آيات، فكره مالك أن ينقص من ذلك، إذ لا ينبغي أن يحمل الناس على انتقاص الخير، وإنما ينبغي أن يرغبوا في الازدياد فيه، ويحملوا على ذلك إن أمكن، وكان بالناس عليه طاقة، وإليه نشاط، وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة صيام العبد بغير إذن سيده:

ومن كتاب الشجرة مسألة:
وسئل: عن صيام العبد بغير إذن سيده، قال: لا بأس بذلك، إلا أن يكون مضرا بسيده.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن العبد مكلف، مثاب على طاعته، فليس لسيده أن يمنعه مما يثاب عليه، ولا يضر به؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا ضرر ولا ضرار»، فإذا لم يكن لسيده أن يمنعه، لم يكن عليه أن يستأذنه. وكذلك خادم الخدمة، بخلاف الزوجة، والسرية، وأم الولد، إلا أن يكون غائبا أو مسنا لا ينبسط للنساء، فلا إذن عليهن؛ وذلك في صيام التطوع، وما أوجبوه على أنفسهم من نذر، أو كفارة يمين، أو ظهار، أو فدية أداء، أو جزاء صيد في الإحرام، أو الحرم، وقد قيل: إنه إذا أذن له في النكاح، كان له أن يصوم في الظهار، وإن كان ذلك مضرا بسيده، كما إذا أذن له في الإحرام، فأصاب خطأ ما أوجب عليه الصيام، والأول أظهر؛ لأنه وإن أذن له في النكاح، فهو أدخل على نفسه الظهار، فهو بمنزلة إذا أذن له في الإحرام فأصاب عمدا ما أوجب عليه الصيام. وأما قضاء رمضان، فلا إذن عليهم فيه، وإذا أذن لهم في صيام التطوع، لم يكن له أن يرجع في الإذن؛ وإذا صاموا بإذنه، فلا يجوز لهم الفطر إلى الليل، وبالله التوفيق.

.مسألة المؤذن يعتكف أيؤذن فوق المنار:

ومن كتاب أوله حلف ليرفعن أمرا إلى السلطان:
مسألة وسئل مالك: عن المؤذن يعتكف، أيؤذن فوق المنار؟ قال عيسى به وضعفه؛ وقال: وما رأيت مؤذنا يعتكف، وكأنه كره الأذان له؛ وقال ابن القاسم: وقد سمعته يكرهه غير مرة، ويجيزه. وجل رأيه فيما أعلم- الكراهية؛ وقوله: في الكراهية أحب إلي.
قال محمد بن رشد: القولان في المدونة، والكراهة أجرى على أصله في أن الاعتكاف يختص من أعمال البر بذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن. وقد مضى ذلك في رسم شك في طوافه.

.مسألة المعتكف ينصرف إلى منزله لأخذ طعامه:

ومن كتاب طلق بن حبيب:
مسألة وسئل عن المعتكف: ينصرف إلى منزله لأخذ طعامه، قال: لا يعجبني ذلك. قيل له: أيغتسل في موضعه للجمعة الذي يخرج فيه لحاجته، قال: لا بأس بذلك؛ ولغير الجمعة- إن أحب ذلك- تَبَرُّدًا أو غير ذلك، فلا بأس عليه في الغسل؛ ولقد كان رجال من أهل الفضل يغتسلون في كل يوم لرواحهم، منهم: عامر بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، كانوا يغتسلون كل يوم.
قال محمد بن رشد: كراهيته للمعتكف أن ينصرف إلى منزله لأخذ طعامه، معناه: إذا كان له من يكفيه ذلك؛ وأما إذا لم يكن له من يكفيه ذلك، فلا يكره له ذلك؛ لأنه مضطر إليه، لكنه يكره له أن يدخل في الاعتكاف- إذا لم يكن له من يكفيه ذلك- على أحد قولي مالك في المدونة، فاختلاف قوله فيها إنما يعود إلى الدخول في الاعتكاف إذا لم يكن له من يكفيه الخروج عن طعامه، فمرة أجاز ذلك له، ومرة كرهه له، ورأى ترك الاعتكاف خيرا له. وأما إذا دخل فيه، فلا اختلاف في أن له أن يخرج عن طعامه- إذا لم يجد من يسوقه إليه؛ لأنه مضطر إلى ذلك، ولا يقطع اعتكافه؛ لأنه قد لزمه. وأما خروجه للغسل إلى الموضع الذي يخرج فيه لحاجة الإنسان، فذلك جائز، إذ لا يصح له فعله في المسجد، وهو مما له أن يفعله تبردا- وإن لم يكن واجبا عليه؛ لأن ذلك يعينه على ما هو فيه، ولأنه من النظافة المشروعة في الدين- وبالله التوفيق.

.مسألة ينظر إلى أهله في رمضان على غير تعمد فيخرج منه المذي:

وسئل: عن الذي ينظر إلى أهله في رمضان على غير تعمد منه، فيخرج منه المذي، ماذا ترى عليه؟
قال: أرى أن يقضي يوما مكانه، ولقد كان رجل من أصحابنا من أهل الفضل إذا دخل رمضان، لا يدخل بيته حتى يمسي، خوفا على نفسه من أهله. قال ابن القاسم:
وسمعت مالكا قال: ليس على من قبل امرأته في رمضان قضاء، إلا أن يكون أنعظ ووجد اللذة، فعليه القضاء- وإن لم يمذ إذا كان ذلك حرك منه اللذة التي وجدها؛ وإن أمذى فعليه القضاء؛ قال عيسى: قال ابن القاسم: إذا قبل فلا شيء عليه، أنعظ أو لم ينعظ ما لم يمذ، وإذا باشر فأنعظ فعليه القضاء، أمذى أو لم يمذ؛ أنكر سحنون قول ابن القاسم هذا- ولم يره شيئا.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في هذه المسألة: أنه إن نظر قاصدا إلى التلذذ بالنظر، أو تذكر- قاصدا إلى التلذذ بذلك؛ أو لمس، أو قبل، أو باشر فسلم، فلا شيء عليه؛ وإن أنعظ ولم يمذ، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن عليه القضاء- وهي رواية ابن القاسم. والثاني: أنه لا شيء عليه، وهي رواية أشهب عن مالك في المدونة. والثالث: الفرق بين ما بين المباشرة، وما دونها من قبلة، أو لمس، فإن أنعظ من مباشرة فعليه القضاء، وإن أنعظ فيما دونها فلا قضاء عليه، وهو قول ابن القاسم الذي أنكره سحنون؛ وإن أمذى فعليه القضاء.
وإن أنزل، ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن عليه القضاء والكفارة- وهو قول مالك في المدونة في القبلة، والملامسة، والمباشرة؛ والنظر، والتذكر للذة، محمولان على ذلك. والثاني: أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه، إلا أن يتابع حتى ينزل، وهو قول أشهب، وأصح الأقوال؛ لأن الكفارة لا تجب إلا على من قصد انتهاك حرمة الصوم، وهذا لم يفعل إلا ما وسع له فيه، فغلبه الإنزال. والثالث: الفرق بين اللمس، والقبلة، والمباشرة، وبين النظر، والتذكر، فإن لمس أو قبل، أو باشر فأنزل، فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يتابع ذلك؛ وإن نظر وتذكر فأنزل، فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ إلا أن يتابع ذلك حتى ينزل، وهذا القول هو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة. وأما إن نظر على غير قصد، أو تذكر، فأمذى دون أن يتابع النظر، أو التذكر، ففي ذلك قولان: أحدهما: أن عليه القضاء- وهو قول مالك في هذه الرواية في النظر، والتذكر محمول عليه. والثاني: أنه لا قضاء عليه، إلا أن يتابع ذلك حتى ينزل. وهذا القول رواه ابن القاسم عن مالك في غير المستخرجة في التذكر، والنظر محمول عليه، إذ لا فرق بينهما، وهذا القول أظهر؛ لأن المذي لا يجب به القضاء على أي وجه كان عند الشافعي، وأبي حنيفة، وأكثر أهل العلم. والمتأخرون من البغداديين يقولون: إن القضاء على من قبل وأمذى في مذهب مالك، إنما هو استحباب، فقف على ذلك.

.مسألة الصائم إذا باشر فأنعظ فحرك منه اللذة:

ومن كتاب أوله سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
قال مالك: ولا أحب للصائم أن يباشر، وإن لم يحرك ذلك منه شيئا، ولا يقبل؟
قال ابن القاسم: قال لي مالك في الصائم: إذا باشر فأنعظ، فحرك منه اللذة؟ رأيت عليه القضاء، وإن لم يمذ، قال ابن القاسم: وذلك رأي.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول على هذه المسألة في التي قبلها، فلا معنى لإعادته.

.مسألة المسافر يقيم في المنهل يوما أو ما أشبه ذلك:

ومن كتاب الشريكين:
قال مالك في المسافر يقيم في المنهل يوما، أو ما أشبه ذلك؛ قال مالك: يجوز له أن يفطر، ما كان يجوز له أن يقصر.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال، فهو مما لا اختلاف فيه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 184]... الآية، إلا أن مالكا يستحب له الصيام، ويكره له الفطر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184].

.مسألة الفطر لمن أصبح صائما متطوعا:

قال: وبلغني أن رجلا له شرف صنع صنيعا، فدعا فيمن دعا حسين بن رستم الأيلي- وكان صائما، وأنه لما خف الناس من عنده، قال له: ألا ندعو لك بطعام؟ قال: إني صائم، فجعل يده عليه- ويديره على الفطر، ويقول: إنك ستصوم يوما آخر مكانه؛ فقال له حسين: إني بَيَّت الصيام، وإني أكره أن أخالف الله ما وعدته؛ وقال: يقال «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، فإنك لن تجد فَقْد شيء تكرهه لله.
قال محمد بن رشد: إنما قال ما قال، فأبى أن يجيبه إلى ما أراده عليه من الفطر؛ لأنه رأى ذلك من المشبهات التي قال فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه»، لاختلاف أهل العلم في جواز الفطر لمن أصبح صائما متطوعا، ولما جاء في ذلك عن النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مما يدل على جوازه والمنع له؛ من ذلك: أنه قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل». وروي: «فإن شاء فليأكل، وإن كان صائما فليصل»، أي: ليدع. وروي: «وإن كان صائما فلا يأكل». وروي عنه- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أنه قال: «لا تصوم امرأة- وزوجها شاهد- يوما من غير شهر رمضان، إلا بإذنه». وهذا يدل على أن الفطر لا يجوز لها، ولا يجوز لزوجها أن يفطرها.
وروي: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عند أم هانئ فأتي بشراب فشرب منه، ثم ناول أم هانئ فشربت، ثم قالت: يا رسول الله، إني كنت صائمة، ولكني كرهت أن أرد سؤرك، فقال لها: «أكنت تقضين شيئا؟» قالت: لا. قال: «فلا يضرك إن كان تطوعا». فهذا يدل على جواز الفطر لمن أصبح صائما. وقد جاء: أن عائشة وحفصة أهدى لهما طعاما فأفطرتا عليه، فدخل عليهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته بذلك حفصة، فقال لهما رسول الله: «اقضيا مكانه يوما آخر».
فاحتمل أن يكون ذلك على الوجوب، وأن يكون على الندب؛ وكان ابن عباس يجيز الفطر لمن أصبح صائما متطوعا. وكان عبد الله بن عمر يجيزه ويشدد في ذلك، فيقول: ذلك الذي يلعب بصومه. وإلى قوله ذهب مالك فقال: إنه لا يفطر، فإن أفطر لغير عذر فعليه القضاء؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة وحفصة: «اقضيا مكانه يوما آخر». وقد قال مطرف: إن حلف عليه أحد بالعتق، أو الطلاق- أن يفطر، فليحنثه ولا يفطر، إلا أن يرى لذلك وجها؛ وإن حلف هو، فليكفر ولا يفطر، وإن عزم عليه أبواه أو أحدهما في الفطر، فليطعهما وإن لم يحلفا عليه إذا كان ذلك رقة منهما عليه، لإدامة صومه، وبالله التوفيق.